ابن قيم الجوزية

135

الروح

منهم نجا ، ومن عصاه أدخله النار ، فذلك امتحان بأمر يأمرهم به يفعلونه ذلك الوقت لا أنه سؤال عن أمر مضى لهم في الدنيا من طاعة أو عصيان كسؤال الملكين في القبر . وأما حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل على ترك طاعة أو فعل معصية ، فإن اللّه لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله ، بل عذاب القبر قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره ، وإن لم يكن عقوبة على عمل عمله ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه » . أي يتألم بذلك ويتوجع منه لا أنه يعاقب بذنب الحي وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 1 » .

--> ( 1 ) أخرج أبو داود في كتاب الجنائز باب في النوح ( 3 / 494 ) برقم 3129 عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه » فذكر ذلك لعائشة فقال : وهل - تعني ابن عمر - إنما مر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على قبر فقال : « إن صاحب هذا القبر يعذب وأهله يبكون عليه ثم قرأت : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى قال عن معاوية : على قبر يهودي . قال الخطابي في معالم السنن : قد يحتمل أن يكون الأمر في هذا على ما ذهبت إليه عائشة ، لأنها قد روت ( أن ذلك إنما كان في شأن اليهودي ) والخبر المفسر أولى من المجمل ، ثم احتجت له بالآية ، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحا من غير أن يكون فيه خلاف الآية ، وذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم ، وكان ذلك مشهورا من مذاهبهم ، وهو موجود في أشعارهم ، كقول القائل وهو طرفة : إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي علي الجيب يا أم معبد وكقول لبيد : فقوما فقولا بالذي تعلمانه * ولا تخمشا وجها ولا تحلقا الشعر وقولا هو المرء الذي لا صديقه * أضاع ولا خان الأمين ولا عذر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ومثل هذا كثير في أشعارهم ، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها » . وقولها : وهل ابن عمر ، معناه : ذهب وهله إلى ذلك ، يقال : وهل الرجل ووهم بمعنى واحد ، كل ذلك بفتح الهاء ، فإذا قلت : وهل بكسر الهاء كان معناه فزع ، وفيه وجه آخر ذهب إليه بعض أهل العلم ، قال : وتأويله أنه مخصوص في بعض الأموات الذين وجب عليهم بذنوب اقترفوها ، وجرى من قضاء اللّه سبحانه فيهم أن يكون من عذابهم وقت البكاء عليهم ، ويكون كقولهم : مطرنا بنوء كذا ، أي عند نوء كذا ، كذلك قوله : « إن الميت يعذب ببكاء أهله » أي عند بكائهم عليه لاستحقاقه -